ابن كثير
343
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رضي اللّه عنه ، والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ رضي اللّه عنه موجودا ، لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس ، وهذه الآيات نزلت في وفد بني تميم ، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة ، واللّه أعلم . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا أبو كريب ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شماس ، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه رضي اللّه عنه قال : لما نزلت هذه الآية لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ قال : قعد ثابت بن قيس رضي اللّه عنه في الطريق يبكي ، قال : فمر به عاصم بن عدي من بني العجلان فقال : ما يبكيك يا ثابت ؟ قال : هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا صيت رفيع الصوت . قال : فمضى عاصم بن عدي رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : وغلبه البكاء فأتى امرأته جميلة ابنة عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، فقال لها : إذا دخلت بيت فرسي فشدي على الضبة بمسمار ، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه وقال : لا أخرج حتى يتوفاني اللّه تعالى ، أو يرضى عني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : وأتى عاصم رضي اللّه عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره خبره فقال : « اذهب فادعه لي » فجاء عاصم رضي اللّه عنه إلى المكان فلم يجده ، فجاء إلى أهله ، فوجده في بيت الفرس فقال له : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعوك ، فقال : اكسر الضبة ، قال : فخرجا فأتيا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما يبكيك يا ثابت ؟ » فقال رضي اللّه عنه : أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة ؟ » فقال : رضيت ببشرى اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : وأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى الآية . وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك ، فقد نهى اللّه عز وجل عن رفع الأصوات بحضرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما ، فجاء فقال : أتدريان أين أنتما ؟ ثم قال : من أين أنتما ؟ قالا : من أهل الطائف ، فقال : لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا . وقال العلماء : يكره رفع الصوت عند قبره صلى اللّه عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام ، لأنه محترم حيا وفي قبره صلوات اللّه وسلامه عليه دائما ، ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه ، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم ، ولهذا قال
--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 379 .